زحل في التاريخ : الاستخدام الديني الرمزي لكوكب زحل في التاريخ

 زحل في التاريخ : الاستخدام الديني الرمزي لكوكب زحل في التاريخ: الجزء الثاني

د.أحمد عبد الرزاق سلمان

قسم علوم الفلك والفضاء

كليّة العلوم-جامعة بغداد

 زحل لدى سكان أوروبا (الرومان والإغريق والفنلنديون)

مر علينا في الجزء الأول أهمية كوكب زحل لدى العراقيين القدماء وكيف أنهم اعتبروا صورته تمثل الرخاء والحروب في ذات الوقت. ولقد انتقلت هذه الصورة الخرافية والدينية لكوكب زحل من البابليين في العراق إلى الرومان في قارة أوروبا والذين سموا هذا الكوكب بسم (ساتورن Saturn) واعتبروه إلها أيضا. وقد اعتبروا أن له مهاما متعددة فكان إله الرخاء، الزمن والتاريخ، الزراعة والخضرة، التحرر والكثرة، وحاكم يوم السبت وجالب الموت في نفس الوقت. هذه الشخصية المعقدة مشابهة لما هو موجود لدى البابليين والأكاديين في تناقضها إلى حد كبير.

وقد جاءت أهم استخدامات الكوكب زحل من الأساطير الرومانية القديمة التي كانت تقول أن ساتورن (أو كرونوس Cronus، وكلاهما يعنيان نفس المعنى في الأساطير الرومانية) قد أخذ الحكم من أبيه، أورانوس (Uranus) الذي كان الحاكم المستبد لكل الكون. فقد قام أورانوس بمعاداة زوجته وأم ساتورن، كايا Gaia))، عندما أختار أن يسرق آخر اثنين من أولادها العمالقة، وهما سايكلوبس (Cyclopes) ذو العين الواحدة، وإيكاتونهيراس (Hekatonkheires) ذو المائة ذراع، ووضعهما في السجن الأبدي تاراتوس (Tartarus) لكي لا يريا النور إلى الأبد. فقامت جايا الغاضبة بتحريض ساتورن وأخوته لمنع أبوهم ساتورن من الحكم ولتشويه جسد أبيهم باستخدام منجل حجري ضخم صنعته بيدها وصقلته. وساتورن كان الوحيد الذي قبل بالقيام بهذه المهمة، وبالفعل قام بها بعد أن قامت جايا بخداع أورانوس فانقض عليه ساتورن وشوهه بطريقة تمنعه من أنجاب أي أولاد. وعندما أراد أورانوس الانتقام من ولده ساتورن، قام بجلب الحراس المحدقين العمالقة (Titans) والذين انظم إليهم سايكلوبس و إيكاتونهيراس ضد ساتورن بعد أن أطلقهما أبوهما، وهنا غضب ساتورن غضبا عارما ثم قام بحبس أخويه مرة أخرى بعد انتصاره على العمالقة وعلى أبيه، وحرص أن لا يعود أخواه مطلقا، ثم أخذ الحكم هو وأخته ريا (Rhea) كملك وملكة.

فكان ساتورن بذلك –حسب الأساطير – هو محرر الكون من تسلط أورانوس المذل. وحسب الأسطورة فقد حكم ساتورن لفترة طويلة مليئة بالرخاء والمواسم الغنية بالزراعة والسنوات الآمنة من الكوارث والحروب، فكان الناس يشعرون بالرضا من ساتورن ولم يحتج منهم أحد إلى أي قانون وأخذوا يعيشون لفترات طويلة ملؤها السعادة. لكن سرعان ما تسلط ساتورن واستبد وأصبح يحب نفسه حبا مغرورا وجنونيا حتى أنه أكل أحد أبنائه، بوسايدون Poseidon))، غيرة منه وحرصا على أن لا يستلم أحد من أبنائه الحكم بعده. بعدها قام أبنه زيوس (Zeus) بالانتقام منه، وحسب رغبة أمه الملكة ريا ثم قام بأخذ الحكم من ساتورن ونفاه لباقي أيامه في سجن أبدي.. الخ. لهذا يعتبر استعمال ساتورن (أو كرونوس) في الخرافات الرومانية ذا دور خاص.

 أتى بعد ذلك الفنلنديون القدماء واعتبروا أن لكوكب زحل نفس الصورة المذكورة لدى الرومان لكنهم أضافوه كهيئة للإله (فيامونين Väinämöinen) الذي كان أيضا يعتبر من آلهة الزمن والربيع، والغناء الجميل والصوت الحسن.

 والكلمة (ساتورن) هي مصدر كلمة (يوم السبت Saturday) في اللغة الانكليزية.

 

Description: http://www.crystalinks.com/saturncronus.jpg

صورة (1. 5). لوحة توضح ساتورن لدى الرومان، وهو يحكم السماء.

Description: Saturn

صورة (1. 6). رسم يوضح ساتورن لدى الرومان.

 

Description: C:\Documents and Settings\Ahmed\Desktop\vainamoinen.jpg

صورة (1. 7). لوحة تمثل فيامونين عند الفنلنديين القدماء.

 زحل في حضارات الشرق

ثم توالت بعد ذلك استخدامات كوكب زحل لدى عدد تال من الحضارات، فلدى الصينيين القدماء كان الكوكب إشارة إلى الشخص الحكيم الذي يخلص العالم من الأرواح الشريرة وهذا الحكيم يستعمل عنصر (الأرض)، وهو نفس الحكيم الذي يدل على الاتجاهات ويستعمل عنصر (المركز). أما في الهند فكانت صورة الكوكب زحل مشابهة لصورته لدى العراقيين القدماء والرومان فكانوا يصورون الكوكب أنه إشارة إلى اله الزمن، وجالب الموت وكانوا يسمونه (كالا Kala). ولدى السياميين (تايلندا حاليا) أيضا كان لكوكب زحل استعمال ديني فكانوا يعتبرونه أبو الآلهة كلها ويطلقون عليه اسم ( فارا ساو Phra Sao)، فكان يعتبر نصير المحرومين وقاهر الجبابرة ومسقط الطغاة ومالك الثروة العظيمة التي يديرها نحو من يشاء.. الخ.

زحل في اللغة العربية

أسم الكوكب باللغة العربية (زُحَلْ – بضم الزاي وفتح الحاء) قد يأتي من الفعل (زَحَلَ – بفتح الزاي والحاء) وهو فعل يعني (تَبَاعَدَ) فيقال (زَحَلَ الشيءُ – بالفتح – إذا بعد ونأى). فاسمه بالعربية يشير إلى بعده وعلوه الكبيرين، ويكون معنى (زحل): ( هو الكوكب البعيد والعالي). وبالفعل فكوكب زحل هو أبعد كوكب يمكن للعين أن تراه في سماء الليل الصافية. ويقال أن أسم كوكب زحل لدى العرب كان مرتبطا بالشؤم والنحس وضيق الطالع. ربما هي صورة مشابهة لصورة الحرب لدى الحضارات التي سبقت العرب.

 

 

 


Copyright © 2013.College of Science. All Rights Reserved.